إصدار مرتقب

كتاب «الجُرم المشهود»

إسرائيل.. الإبادة الجماعية والتوسع، غزة نموذجا

عن الكتاب وأطروحته

يوثق هذا الكتاب وقائع حرب غزة عقب ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ من منظور الإسناد الجنائي والمطابقة القانونية الصارمة؛ إذ يُحاكم إسرائيل بشهادتها على نفسها قبل شهادة غيرها، استناداً إلى بيانات جيشها، وتصريحات قادتها، وتحقيقات إعلامها، بميزان القانون الدولي الإنساني. ويثبت الكتاب عبر رباعيته الحاكمة أنّ ما جرى تجسيدٌ لثنائية «الإبادة الجماعية والتوسع» بوصفهما «عقيدةً معلنة وممارسةً ممنهجة» لا أحداثاً عرضية.

معنى «الجُرم المشهود» وصون الوقائع من النسيان

«الجُرمُ المشهود» هو أعلى درجات الجريمة في عُرف القانون، أن يُرى الجاني متلبّسًا، والفعلُ في يده، والشهودُ حوله. وقد اعتاد المجرمون عبر التاريخ أن يتّقوا هذه الدرجة، فيدفنوا جرائمهم مع ضحاياها. أمّا جريمةُ غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٣ فدُفن ضحاياها وبقيت هي فوق الأرض، مشهودةً بأعلى درجات الشهادة، قتلةٌ يجهرون بالقصد في تصريحاتهم الرسمية، وجنودٌ يصوّرون أفعالهم بأيديهم ويباهون بها، وضحايا وثّقوا موتَهم قبل مقتلهم، وعالمٌ رأى الجريمةَ تُنقل على الهواء. فبلغ التوثيقُ حدًّا صار معه الإنكارُ الجمليُّ متعذّرًا، رغم ما حُشد لطمسه من تعتيم. ولهذا ليست مهمةُ هذا الكتاب أن يبرهن أنّ شيئًا وقع، بل أن يجمع ما أقرّ به الفاعلون وما وثّقه الشهود وما خلصت إليه تحقيقاتُ جهاتٍ لا تُتَّهم بمحاباة الضحية، ويرتّبه ويزنه ويصونه من النسيان، فالوقائع لا تُطوى حين تُرتكب، بل حين تُنسى.

الأطروحة المركزية: رباعية العقيدة والممارسة

وأطروحة هذا الكتاب المركزية أنّ ما تفعله إسرائيل ليس انتهاكاتٍ متفرقةً يفسّرها ظرفُ حربٍ طارئ، بل تجسيدٌ لثنائيةٍ واحدة هي الإبادةُ الجماعية والتوسّع، وأنّ كلًا منهما عقيدةٌ معلنة يجاهر بها المسؤولون لا نيّةٌ خفية نستنبطها، وممارسةٌ ممنهجة متكررة لا حوادثُ عرضية يُعتذر عنها. والنكبة التي حلّت بغزة ليست في هذا الكتاب استثناءً شاذًّا في سيرة الدولة، بل النموذج الذي اكتملت فيه أركان هذه الثنائية حتى صارت مرئيةً لا تحتمل التأويل. فالأطروحةُ أربعُ دعاوى لا اثنتان: أنّ ما جرى إبادةٌ جماعية، وأنّه توسّع، وأنّ كلًّا منهما عقيدةٌ معلنة، وأنّه ممارسةٌ ممنهجة. وقد اقتُصر في العنوان الفرعيّ على الشقّين الأوّلين طلبًا للإيجاز، والأربعةُ هي المقصودةُ كلّما ذُكرت في هذا الكتاب «رباعيةُ العنوان».

هرم الإسناد: إدانة الخصم بشهادته على نفسه

وهذه المطابقة تقوم على إسنادٍ صارم، فقاعدة الكتاب الحاكمة ألّا يُساق ادّعاءٌ جوهريٌّ إلا مسنَدًا إلى مصدرٍ موثوق باسمه وتاريخه. وعموده الفقري الذي يميّزه عن مرافعات الخصوم أنّه يُدين إسرائيل بشهادتها على نفسها قبل شهادة أحدٍ عليها، فأكثر ما في هذه الصفحات منقولٌ عن بيانات الجيش الإسرائيلي الرسمية، وتصريحات وزرائه وقادته العسكريين ونوّاب الكنيست، وتحقيقات صحافته العبرية وأحكام محاكمه ولجانه الرسمية. فإذا انضمّ إلى ذلك ما وثّقته الأمم المتحدة ولجانها ومقرّروها، والمنظمات الحقوقية الكبرى من قبيل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، والإعلام الغربي الرصين، ثمّ ما أعلنته دول الوساطة الضامنة، اكتمل هرمٌ من المصادر لا تقف فيه الرواية الفلسطينية وحدها حاملةً لمحورٍ أساسي، بل تأتي حيث لا بديل عنها لأنّ إسرائيل نفسها منعت الصحافة الأجنبية من غزة وقتلت صحفييها، ومقرونةً عند ذلك بشاهدٍ محايدٍ كلما أمكن. وكلُّ ما نُقل في هذا الكتاب بين علامتَي تنصيصٍ عن العبرية أو الإنجليزية فترجمةٌ عن أصله، نُنبّه عليها هنا مرةً واحدة فلا نعيدها عند كل نقل. وعلى هذا الإسناد بُنيت ضوابطُ أخرى لا يستقيم التوثيق بدونها، أوّلُها تمييزُ درجات اليقين، فلا يُساوى ما أعلنته جهةٌ رسمية بما لم يتأكّد بعد؛ وثانيها ضبطُ المنزلة القانونية لكلّ حكم، فلا يُخلط أمرٌ احترازيٌّ مؤقّت ببتٍّ نهائي، ولا اتهامٌ بإدانة؛ وثالثها معالجةُ الدليل المضادّ صراحةً لا تجاهله، إذ تُعرض حجّة الخصم في أقوى صورها ثمّ تُوزن، فما يصمد يُقبَل وما يسقط يُرَدّ بدليلٍ أقوى.

ونحتكم في هذا الكتاب إلى مرجعيةٍ واحدة، لم يخطّها العرب ولا الفلسطينيون، بل صاغتها الدول الغربية نفسها التي تدعم إسرائيل، هي القانون الدوليّ الإنسانيّ ومواثيق جنيف وروما واتفاقية الإبادة. فلا نقيم الدعوى على حقٍّ دينيٍّ أو استحقاقٍ إلهيّ، ولا على قداسةٍ عقدية للأقصى، ولا نحتجّ بآيةٍ ولا بمرجعيةٍ دينية، إذ هذه مرجعياتٌ لا تُلزم من لا يؤمن بها، وللخصم أن يردّها انحيازًا. بل نتحاكم إلى المعيار الذي لا يكاد يختلف عليه أحدٌ في العالم، فنحاكم إسرائيل بميزان حلفائها لا بميزان خصومها. وحتى المقدّسات، حين تُذكر، تُعرَض أعيانًا دينيةً ومدنيةً تحميها هذه المواثيق لكلّ الأديان، لا حقًّا نطالب به باسم دينٍ بعينه. وبهذا نقدّم تقييم ما جرى في غزة وفق معيارٍ محايد، ونسلّح القارئ بأدواته نفسها ليراجع منهجنا وتطبيقه، فيكون هو الحَكَم لا نحن. ومن هذا الحياد نفسه نبع اختيارُنا في التسمية. فنحن نسمّي كلّ طرفٍ بأقرب أسمائه إلى الوصف المجرّد، لا بما يحمل حكمًا مسبقًا عليه. فنقول «الجيش الإسرائيليّ» كما يُعرَف رسميًا لا «جيش الاحتلال»، ونقول «المقاومة» وصفًا جامعًا لفصائلها لا «المخرّبين» كما يسمّيها خصمها ولا «حماس» وحدها إذ الفصائلُ متعددة. وليس هذا إقرارًا منّا بدعوى أيّ طرفٍ في نفسه، بل تجنّبٌ لأن نُصادر حكم القارئ بلفظٍ يُدين قبل أن يَنطق الدليل.

منهج التوثيق: تفكيك «صناعة الشك» ومخاطبة العقل

ولمّا كان هذا كتابًا لا تقريرًا، جُعل الدليلُ فيه حيث تُقرأ الدعوى، فيُذكر لكلّ واقعةٍ مصدرُها باسم جهته وتاريخه ومنبره في موضعها من المتن. ثمّ أُتبعت كلُّ دعوى برقمٍ يحيل إلى حاشيةٍ تحمل نصَّ التصريح بلغته الأصلية حيث يكون اللفظُ نفسُه حجّة، وتُنبّه على ما لم يثبت وعلى ما اختلفت فيه المصادر، فهي حزامُ أمانٍ ثانٍ لمن جاء يفتّش، لا عبءٌ على من جاء يقرأ. وأمّا الروابطُ الإلكترونية فأُخرجت من الصفحة إلى مستندٍ مستقلٍّ لكلّ فصل، يبلغه القارئ برمزٍ مطبوعٍ في آخره، فبقي الكتابُ كتابًا وبقي المصدرُ في متناول من طلبه.

ومن هذه القاعدة نفسها نبع خيارٌ منهجيٌّ ثانٍ يحكم ما يدخل هذا الكتاب وما يُترك خارجه، هو البناء على ما ثبت قطعًا والابتعاد عمّا أُغرق عمدًا في الجدل. فإسرائيل أدارت إظلامًا ممنهجًا على مسرح الجريمة، يُثبته الكتاب قاطعًا، عبر ثلاثة مسارات متوازية، منعِ الصحافة العالمية ولجان التحقيق المستقلة من الدخول، والاستهدافِ المباشر للصحفيين المحليين، والضغطِ الموثّق على منصّات التواصل لخنق المحتوى الفلسطيني، فصار كثيرٌ من الوقائع محلَّ تشكيكٍ لا لضعفٍ فيها بل لأنّ شاهدها مُنع أو قُتل. ويعتمد المدافعون عن هذه السياسة في المنابر العالمية تكتيكَ تصنيع الشكّ، بإغراق المتلقّي في تفاصيل جزئيةٍ وجدالاتٍ فرعيةٍ تصرفه عن الصورة الكلية. ولهذا يتعمّد الكتاب توضيح الواضح، فيجمع ما لا يُنازَع فيه ويصفّه بعضه إلى بعضٍ حتى تكتمل الصورة، ولا ينجرّ إلى فخّ الواقعة المتنازَع عليها مهما كانت مغرية، تفويتًا للفرصة على آلةٍ تعيش على تفتيت الدليل. ومن هنا فإنّ القارئ المهتمّ الذي عاش هذه الأحداث وتابعها بثًّا مباشرًا قد يجد في هذه الصفحات اختزالًا لبعض ما رأت عيناه، وذلك عينُ المقصود لا نقصٌ فيه، فالكتاب لا يروي له ما شهد، بل ينتخب من الجُرم ما أقرّ به الجاني وحلفاؤه ليواجه به من لم يرَ، أو أُريد له ألّا يرى، فالمعيار هنا ليس كلَّ ما وقع، بل ما لا يملك الخصمُ ردَّه.

وثمّة التزامٌ ثالث آثرناه، قد يبدو أوّل وهلةٍ نقصًا وهو في حقيقته انضباط. فما يوثّقه هذا الكتاب قد صُوِّر ونُشر، بل بثّ بعضَه جنودُ إسرائيل أنفسهم، أو منظماتٌ دولية بعد تحقّق، من الطفل المحترق، إلى الجائع الذي تنطبع عظامه تحت جلده، إلى الأسير المكبَّل شبه العاري، إلى الأسير الذي يُغتصب، إلى القرى التي سُوّيت بالأرض، إلى المهجَّرين الذين أنهكهم مسيرٌ طويل، وغير ذلك من صور الجريمة، ومع ذلك لم نُثبت في الكتاب صورةً واحدة. وهذا الحجب مقصودٌ لسببين، أضعفهما توفيرُ حجمٍ يُثقله، وأقواهما الحاكمُ أنّا لا نريد كتابًا يخاطب العاطفة. فالصورة قد تبلغ من النفس في لحظةٍ ما لا يبلغه الدليل في صفحات، لكنّها بذلك عينِه سلاحُ من لا حجّة له، يستدرّ الدمعة حيث يعجز عن إقامة البرهان، وحين يصير الحكم في القضايا الكبرى مباراةً في استدرار العطف، فاز فيها الأبرعُ في إثارة المشاعر لا الأصدقُ في إقامة البيّنة. فاخترنا أن نخرج من هذه المباراة جملةً، فلا ننافس من اتُّهم بصناعة الدعاية على أرضه، بل نهزمه على الأرض التي لا تطؤها الدعاية، أرضِ الدليل والإسناد والمنطق. فهذا كتابٌ يخاطب عقلك لا دمعك، ويعدك بالبرهان ويثق بحكمك إذا تجرّد.

معمار الكتاب: ثلاثة أبواب وأطروحة متصلة

وعلى هذا قام معمار الكتاب في ثلاثة أبواب، كلٌّ منها يجيب عن سؤال. فالباب الأول، الطريق إلى السابع من أكتوبر، يجيب عمّا سبق الانفجار من سياقٍ وتراكم، فلا تُقرأ تلك اللحظة معلّقةً في فراغٍ بلا تاريخ، ويقف عند السابع من أكتوبر نفسِه بما جرى فيه لا يقفز فوقه، فليس من منهج هذا الكتاب أن يُغفل ما يُظنّ أنّه يُحرجه. والباب الثاني، صحيفة الاتهام، يوثّق ما جرى في القطاع بعدها في أربعين جريمةً مرقّمة، بالأسماء والتواريخ والأرقام، تتخلّلها دراساتُ حالةٍ تقف على وقائعَ بأعيانها وقوفَ المحقّق، وهي قلب الكتاب وثقله. والباب الثالث، صحيفة السوابق، يجيب عن السؤال الذي يطرحه القارئ المتشكّك حتمًا، أهذا استثناءُ حربٍ بعينها أم نمطٌ متّصل؟ فيتتبّع لكلّ بابٍ من جرائم غزة أصلَه في سجلّ الدولة منذ ١٩٤٨ بل ومن قبل التأسيس، ليثبت بالوثيقة لا بالدعوى أنّ ما جرى في غزة طبعةٌ من نصٍّ قديم. فالأبواب الثلاثة حجّةٌ واحدة متّصلة، سابقةٌ مهّدت، ففعلٌ وقع، فإثباتٌ أنّ الفعل لم يكن أوّل مرّة.

صون الذاكرة وعهد الحقيقة

ولأنّ هذه الأحداث شديدة الحداثة، وأرقامُها متغيّرةٌ ما دامت آثارُها جارية والقتلُ لم ينقطع حتى تحت وقف النار المعلَن وقتَ كتابة هذه السطور، فقد اعتُمد في كلّ رقمٍ محوريٍّ أحدثُ ما تأكّد من مصدرٍ معتبر لا أحدثُ ما نُشر، وأُرّخ كلّ رقمٍ بلحظة توقّفه، وظلّ البحث مفتوحًا حتى ساعة الكتابة، وما ورد منها مُطلَقًا بلا تاريخٍ فمرجعُه ما ثبت حتى يوليو/تمّوز ٢٠٢٦، فما لم يتأكّد تمامًا وُضع بصيغةٍ تحفّظيةٍ تكشف أنّه أوّليّ. وما أوردناه من جرائم لا يأتي على سبيل الحصر، فتوثيق كلّ ما ارتُكب لا تفي به مجلداتٌ تتجاوز عشرة آلاف صفحة ولا مئاتُ الساعات من التصوير، وإنّما القصد إظهار تنوّع الجريمة وبشاعتها وتكرار نمطها الممنهج، إذ النمط المتّصل أبلغ في إثبات العقيدة من استقصاءٍ لا ينتهي. وبهذا العهد المزدوج يمضي الكتاب، فلمن عاش الإبادة أو شهدها من بعيدٍ وأثقلته، أن تُصان ذاكرتُه فلا يُمحى ما جرى كما مُحي قبله كثير، وأن يجد بين يديه وثيقةً يورّثها من بعدَه، فإذا كانت آلةُ التضليل قد قلبت الروايةَ والجريمةُ تُنقل على الهواء، فكيف بها بعد أن تمضي السنون ويغيب الشهود؟ ولمن لا يعرف عن هذه القضية شيئًا، أن يُدعى لا إلى التصديق بل إلى الوزن، فيقرأ الشهادة في موضع الادّعاء، والمصدر إلى جانب الواقعة، ثمّ يحكم بنفسه. فالكتاب لا يخاطب من أغلق عقله، بل يضع مادّته بين يدي صاحب الضمير الحيّ أيًّا كان موقعه، ولا يطلب منه أن يصدّقه، بل أن يزن ما بين يديه، واثقًا أنّ ما صمد من توثيقٍ على هذا النحو لا يحتاج بعد الوزن إلى إقناع.

وليس هذا الكتاب واحدًا من كثيرٍ كُتب عن غزة أو فلسطين أو حتى إسرائيل، بل يَعِد قارئه بما لم يجده في غيره. فالذي يلاحق الجريمة الإسرائيلية مفرّقةً في الأخبار يراها وقائعَ متناثرةً يبتلعها النسيان واحدةً بعد واحدة، أمّا هنا فيراها لأول مرّةٍ مجموعةً في صورةٍ واحدةٍ مكتملةٍ تمتدّ من النهر إلى البحر ومن النكبة إلى اليوم، تنطق وحدها. والذي اعتاد أن تُردَّ كلُّ إدانةٍ لإسرائيل بحجّة الانحياز، يجد هنا إدانةً لا ردّ لها، لأنّها صادرةٌ من إسرائيل عن نفسها، من جيشها ووزرائها وصحافتها ومحاكمها، فيُغلَق بابُ الطعن قبل أن يُفتح. هذا هو السهل الممتنع الذي يقصده الكتاب، أن يُثبت أوضحَ ما يكون بأمتنِ ما يكون، فلا يُترك للمنكِر بابٌ، ولا للناسي عذر. ومن بلغ ختامَ هذه المقدمة، فقد عقد على نفسه عهدًا ضمنيًا، أنّه بعد ما سيقرأ لن يسعه أن يقول يومًا إنّه لم يكن يعلم.